الاثنين، 15 مارس 2010

المسئولية

هل يعلم أحدكم معنى كلمة مسئولية ؟
معنى المسئولية هو الإضطلاع بمهمة الحفاظ على شئ له قيمته الخاصه لفترة من الزمن، وسواء كانت هذه الفترة طويلة أو قصيرة متجدده أو غير متجدده، فإن المرء مطالب بعمل كل ما يلزم وتحمل الأعباء المختلفه للحفاظ على هذا الشئ.
ويتجلى ذلك واضحا فى المسئولية الملقاه على عاتق الأبوين تجاه أبنائهما من حيث مهمة تربيتهم وتعليمهم وتنشئتهم بشكل سليم ليفيدوا أنفسهم ويفيدوا مجتمعهم، وأيضا لتقر بهم أعين أبويهم من خلال نجاحهم فى حياتهم العلمية والعملية.
وتتفاوت قيمة المسئولية وخطورتها من مهمة لأخرى، ومن مرحلة لأخرى من مراحل هذا الشئ، فمسئولية تربية الأبناء من الصغر حتى الكبر ليست كمسئولية رعاية نبات فترة حياته لا تتجاوز بضعة أسابيع أو شهور، أو رعاية قطة صغيره ليس المطلوب لسعادتها سوى الاطمئنان على شبعها ونظافتها.
ولكن هل جرب احدنا مسئولية رعاية الحب ................؟
ليس من السهل لكم أن تتخيلوا صعوبة هذه المسئولية، لأن ظاهرها مختلف تماما عن باطنها، وجزئياتها متشعبة ومعقده أكثر مما هو ظاهر من كلياتها، فمن منا لم يحب خلال فترات عمره المختلفه، بداية من حب الأم فى الصغر وحب أول مدرّسة علمتنا مبادئ القراءة والكتابة والحساب، مرورا بحب أول زميلة تجلس بجوارنا على مقاعد الدراسة أو على مقاعد باص المدرسه. فكل نوع من هذا الحب يشكل مسئولية من نوع ما يجب علينا العمل على إبقائه حيا يانعا والحفاظ عليه لفترة معينه.
وتنمو معناهذه المسئولية حتى نصل إلى مسئولية الحفاظ على الحب الحقيقى الذى يمثل فى حياتنا الأثر الأكبر، والذى نراه نحن بنظرتنا له على أنه أقوى تأثيرا على حياتنا مما علمه لنا أباؤنا وأمهاتنا ومعلمينا طوال سنوات عمرنا الماضيه. وتقيدنا مهمة الحفاظ على هذا الحب بقيود نراها أقوى من القيود التى تواجهنا عند البحث عن لقمة العيش، لأن إجابة أى إنسان منا على السؤال: على ايهما تصبر أكثر، قلة الطعام أم قلة الحب ستتجه أصابعنا بالشارة فورا بأننا من الممكن أن نصبر على نقص الطعام والشراب ومن الصعب أن نصبر على قصور القلب عن ضخ الحب فى العروق.
وبالنسبة لى فمن خلال خبرتى المتواضعة فى هذا الموضوع والتى تلقيتها عن تجربة حقيقية، فإننى اعتقد ان حجم المسئولية يعتمد على عنصرين اساسيين: أولهما القيمة التى يمثلها الطرف الآخر فى هذه العلاقه بالنسبة لى وثانيهما شبح الخوف من التقصير فى حق الطرف الآخر الذى دائما يطاردنى دائما وأبدا فى كل شئ. والعنصر الثانى مبنى وبشكل كبير جدا على العنصر الأول لأن الخوف من التقصير يمشى موازيا وعلى نفس الخط مع القيمة التى يمثلها الطرف الثانى للطرف الأول.
فالشعور المتجدد فى كل لحظه بقيمة هذه العلاقه والإحساس الجميل الصادق بأثر هذه العلاقه الجميلة على النفس يزيد من قيمة المسئولية الملقاة على عاتقنا والتى تتمثل فى الحفاظ على هذه السعادة التى أضافتها هذه العلاقة على مكامن نفوسنا وعلى تفاصيل حياتنا وبالتبعية الحفاظ الدائم على الطرف صاحب اليد الطولى فى هذا الأحاسيس الجميلة المتجدده. حتى ليخيل إلىّ فى كثير من الأوقات بأن هذه العلاقة أقرب جدا لعلاقة زائر الى حديقة عامه، وهذه الحديقة يوجد بها زهرة ذات جمال أخاذ ورائحة جميلة ينزع أريجها ألباب زائريها فى كل الأوقات، ودائما ما اعتبر نفسى هذه الزائر العنيف الذى يطمع فى اقتطاف هذه الزهره التى اضافت للحظات وجوده فى هذه الحديقه العطر الهادئ الناعم الجميل، والمنظر الصافى المريح الذى يتذوقه عند قربه منها ويتذكره عند خروجه من الحديقه.
والمسئولية فى هذه الحاله تتمثل فى الحفاظ على هذه الورده الجميله. فهل إذا اقتطفها هذه العاشق سيعتنى بها وسيرعاها ويحافظ عليها جميلة المنظر عاطرة الجوهر دائما. أم سيقصّر فى رعايتها حتى تذبل ويتلاشى عبيرها.
فالارتباط بهذه الورده يمكن أن يكون قمة النعمة إذا ما نقلها عاشقها الى أصيص جديد وبيئة جديده يوجد بها كل مقومات حياة وتفوق هذه الورده، أو يكون كارثة انسانية رهيبه اذا اقتطفها ووضعها فى مزهرية أو وضعها فى جيبه متزينا بها.
وهذا هو خوفى على وردتى الجميله، ففى كل الاوقات يطارنى هذا الهاجس. واسأل نفسى دائما هذا السؤال:
هل سأضع هذه الورده فى الأصيص المناسب ؟.

السبت، 13 مارس 2010

رحلة الى الجنوب

-2-
ولجت داخلاً الى المحطة قاصداً اقرب مشرف او كمسارى من المتناثرين على ابواب الارصفة الخاص بالقطارات لكى اسألهم على اى رصيف ينبغى على انتظار القطار, فأفادنى بأن القطار الميمون سينطلق من رصيف رقم 8, جلست مع صديقى الكتاب عن احد المقاعد حتى موعد قيام القطار حيث لايزال امامى مايقرب من الساعة والربع حتى موعد السفر.
اثناء جلوسى كانت بجوارى سيدة وابنتها بأنتظار القطار اخر سيقوم قبل موعد قطارى ولكن من نفس الرصيف, كانت لدى هذه السيدة وابنتها مشكلة عويصة جعلت منهما فى حالة غضب وخوف رهيب جدا جدا.
كان قطارهما على وشك القيام وهما بانتظار شخص اخر سيسافر معهما يدعى محمد وطبعاً تمكنت بما املك من ذكاء وفراسة وفطنة ان اعرف ان محمد هذا هو ابن هذه السيدة واخو الفتاة, وقد فهمت ايضاً من عويل وولولة السيدة والفتاة ان محمد ذهب الى احد المقاهى بجوار المحطة لاحتساء حجرين من المعسل ريثما يحين موعد القطار .
حضر القطار الى رصيف القيام قبل موعدة بحوالى عشرون دقيقة وهنا اصاب السيدة وابنتها الجنون فقد توقعت ان القطار سيقوم بالرحلة قبل قدوم محمد من القهوة, بدأت مراسم العويل والصياح والسب والقذف المحتوى على اقذع الالفاظ عن محمد واهمالة وتسيبة والساعة التى بدأ فيها التدخين .وطبقاً لمبادئ الشهامة التى اتحلى بها عرضت مثل الكثير من الاشخاص الواقفين مساعدة السيدتين .
شرحت لى السيدة هذا الموقف ففهمت بكل هدوء مشكلتهما العويصة وسالتها سؤال بديهى فى مثل هذه المواقف :
هل يملك محمد ابنك تليفون محمول؟
فأجابت: نعم .
بالطبع لايخفى على كل ذى عينين ان السيدة تملتك تليفوناً محمولاً وابنتها ايضاً تملتك واحداً. فاقترحت عليهما اقتراحاً سديداً كان يدل على الفطنة والكياسة بأن يحاولا الاتصال به على التليفون المحمول, فكانت الاجابة الفورية بأن كليهما لايملكان رصيداً كافياً لاجراء هذه المكالمة . فتطوعت بكل فخر واعتزاز بان اتصل لهما بالاخ محمد من هاتفى الخاص, وذلك لأننى من علية القوم ومن الاشخاص المحظوظين الذين لا ترد عليهم موظفة خدمة العملاء فى شركة فودافون بصوتها الجميل المنفر..
عفواً لقد نفذ رصيدكم ..
حيث اننى امتلك خط تليفون بنظام الفاتورة, سألت الابنة عن رقم تليفون محمد لكى اتصل لهما به فأجابت بكل براءه:
انا مش حافظاه .. خد حضرتك التليفون وشوف الرقم بتاعة .
تناولت الهاتف منها كى ابحث عن اسم محمد فسألتها عن الاسم الثنائى مثلاً لكى اتمكن من البحث عن اسم اخيها فى ايقونة الاسماء وعلى الهاتف فأجابت :
محمد محروس.
فشرعت ابحث عن هذا الاسم على الهاتف بين من اسمهم محمد ومدونة اسماؤهم على الهاتف فلم اجد اثراً لمحمد محروس هذا نهائيا..!
مع عوامل الضغط المحيط بى اثناء البحث من الوقت القصير الذى يفصلنا عن موعد قيام القطار بالاضافة للحرج البادى على من نظرات الواقفين من حولى والتى تنم عن اتهامى بأنى ذئب بشرى استغل الظروف السيئة للسيدة وابنتها لأقامة علاقة مشبوهه مع ابنتها وهكذا. المهم انى بحثت كثيراً جدا عن هذا المحمد محروس على الهاتف فلم اجده وكنت وقتها قد بحثت لأكثر من ثلاث مرات حتى أُصبت بالرعب والهلع, لكن ماأصابنى بالفزع ليس عدم مقدرتى على العثور على اسم محمد ابن السيدة واخو ابنتها .وانما لاننى وجدت عل الهاتف مايزيد عن خمسة عشر اسم محمد وهى مرمزة وليست مسماه, فمنها من هو محمد فقط بدون اسم ثان ومنها محمد متبوع بنقطة ومنها محمد متبوع برقم واحد ورقم اثنين وفاصلة ونقطتين, ومحمد متبوع بحرف الالف ومحمد متبوع بحرف الميم وهلم جره. تصلبت يداى على الهاتف دون ارادتهما تقريباً لأن لو ان ليداى أرادة فى هذه اللحظة فكان اول شئ من الممكن القيام به هو صفع السيدة وابنتها وتهشيم الهاتف على رأسيهما, سألتها وانا احاول ان اتمالك اعصابى من هذا الجهل المطبق والغباء المستحكم :
ما إسم اخيك ؟
فقالك بكل بلاهه: محمد محروس
_ انا لااقصد هذا ولكن اقصد مااسمه على هاتفك .
_ لا ادرى ففى الغالب أنا لم اتصل به الا مره واحده من على هاتفى ، دائما هو من يتصل بى وأنا ارد عليه .
_ وكيف تعرفين أن المتصل هو محمد اخوك ؟
_ غالباً اعرفه من صوتة ولكن عندما لا اعرفه من صوتة واسأله من انت يقول لى :أنا اخوكى ياحماره، وهكذا اتعرف عليه .
عندها تزايد لدى شعور بالندم للاسهام فى مساعدة هاتين البائستين, وتملكنى شعور بالازدراء نحو هذه الفتاة اللعوب التى لديها قائمة طويلة من اللذين اسمهم محمد على هاتفها لاتميز اى واحد منهم حتى اخوها إلا من اصواتهم أو مستواهم الاخلاقى وألادبى. وهكذا وقفت مكتوف الايدى لا استطيع فعل شئ لهاتين البائستين الا لإانتظار معمها والدعاء من كل قلبى أن يتأخر محمد, الذى معه كل تذاكر الرحلة عن موعد القطار لكى ينالوا قسطا من الغيظ الذى اشعرونى به فى هذه اللحظات, ولكن وبكل الاسف لم أنل هذه الامنية حيث وبعد لحظات قليلة وجدت البنت تقفز من الفرحة وتصرخ وتقول لشخص قادم من أول الرصيف:
يخرب بيت أمك... إحنا دمنا نشف واحنا بنحــاول نكلمك على التليفون وانت مبتردش ..!
حفاظا على رونقى امام نفسى آثرت الانسحاب قبل ان اصاب بنوبة قلبية من هذا الجهل الرهيب وبدأت أسال نفسى متى اتصلت به ومتى لم يرد هو على التليفون..؟
ابتعدت عن هذه العائلة الرهبية بسرعة حتى لا أصاب بنوبة غباء اذا اختلطت انفاسى بأنفاسهم .
بعد هنيه اصطلق القطار صفارة طويلة معلناً عن بدء الرحلة الميمونة وسط تدافع الناس المُحمّلين بالحقائب على ابوابة قبل ان يفوتهم القطار.
عاد الهدوء للرصيف الذى نقف عليه بأنتظار قطارنا والذى من المتوقع ان يصل فى أى لحظة كلى يبدأ رحلتة هو الأخر بعد أقل من نصف ساعة تقريباً بعدها شعرت ببعض العطش بأبتعت قارورة من المياه الغازيه من احد الباعة على الرصيف وجلست على كرسى على الرصيف ارتشف منها حتى موعد وصول القطار، ..... لم يدم الانتظار طويلاً فقد وصل القطار بعدها بلحظات وبدأ الناس يركبون وأنا معهم .
جلست على كرسى واخرجت كتابى العزيز من الحقيبة اتصفحه حتى بدأت الرحلة وبعدها بقليل ومن جراء اليوم الطويل الشاق بدأ جفناى يتقابلان ويداعبهما الوسن, ارحت ظهر الكرسى وبدأت فى مرحلة نوم عميق استمر لحوالى خمسة ساعات أو أكثر.
استيقظت على منظر بديع وقد أعلنت الشمس عن ميلاد يوم جديد. كان المنظر ساحراً حيث يشق القطار طريقة وسط السهول الخضراء الجميلة التى تكسبها شمس الصباح مع ذرات الندى العالقة بالجو منظراً بديعاً وكأن الندى غسل الزروع والاشجار والنخل فأصبحت تكتسى بلون اخضر سندسى جميل غاية فى الروعة. منظر مفعم بالحياة, وقد خرجت العصافير والحمائم تغرد وتطير وتمرح بين شجرات النبق والنخلات التى تعانق السماء وبطولها وشموخها.وتغنى لمروج القمح الذى تتلألئ علية قطرات الندى كاللؤلؤ المنثور.وسحر المزارعين وهم يذهبون الى حقولهم وقد امتطوا الحمير وتبعتهم المواشى تمشى فى مرح ونشاط..
لايزال هذا المنظر محبباً الى قلبى منذ ايام الدراسة وحتى الان.
استمتعت بهذا الجمال الأخاذ حتى اخرجنى من هذه المتعة جرس الهاتف حيث كان اخى الصغير يتصل بى ليطمئن ويطمئن امى الحبيبة علىّ ويوصينى, إن قابلتنى اى متاعب ان اذهب الى شئون كلة التربية لأسال عن الاستاذ احمد عامر واقول له انى اخو فيصل وهو سيتولى مايتبقى .
شكرتة وطمأنته على اننى على وصول تقريباً الى سوهاج حيث اعلنت الساعة عن تمام السابعة والنصف تقريباً وهو موعد حبيب عندى حيث انه فى هذا الموعد من كل يوم تشرق شمس قلبى وتهُبّ عصفورة احلامى من نومها تفتح عينها لتملأ الدنيا بشعاع الأمل وتنير للناس مشاعل الحب. اتصلت بى فى الموعد المحدد تماما ليداعب أذنى صوتها الرقيق الذى يمتلك نفاذاً وعذوبه مثل خرير المياه. واثلجت كلماتها العذبة قلبى ومنتحتنى جرعة اضافية من الامل والحنان والسعادة, طمأنتها عن رحلتى وسألتها كيف كان ليلتها وكيف كان نومها وتمنيت لها يوماً سعيداً وتمنت لى يوماً موفقاً .
ما أن دخل القطار الى سوهاج حتى بدأت الذكريات تنهال على عقلى ومخيلتى ، ذكريات واحاسيس بين الحب والشجن، بين السعادة والحرية، بين الطموح والامل .
نتابع بقية الرحلة لاحقا ان شاء الله.

الأحد، 28 فبراير 2010

رحلة الى الجنوب


-1-
كانت المرة الاولى التى اعود فيها الى هذه المدينة بعد مايقرب من ست سنوات .
لم أحب هذه التجربة ابداً، فقد لمستها وشعرت بها غير مرة من قبل ومن ضمنها الذهاب الى هذه المدينة ايضاً، أحسست بالضيق الشديد والضعف الرهيب.. شعرت ان المكان أصبح ثوبا ضيقا يخنقنى حتى لا اكاد استطيع من ضيقه مجرد التنفس........ لايهم مطلقاً, فما يهم الآن كيف يواجه المرء هذا الشعور الرهيب عند زيارة مكان, كان بيتاً وملعباً ومدرسة ومسجداً لمدة أربع سنوات دراسية. اضطرتنى الظروف ان اسافر الى سوهاج مرة اخرى بعد سنوات من تركى لها . وهى المدينة التى تقع فى وسط صعيد مصر بهدوئها وسكونها وطيبة اهلها .المدينة التى شهدتُ فيها اربع سنوات دراسية مليئة بكل انواع الفرح والاثارة والعذاب والغربة.المدينة التى حفرت فى ذاكرتى وفى جسدى خطوطاً عريضة لشخصيتى فى مرحلة سنية يتكون فيها الطموح والأمل والتفاؤل والثقة بالمستقبل الذى ينتظرنا بعد مرحلة التخرج من التعليم الجامعى.
بعد العودة الى هذه المدينة وبعد السنوات الست التى امضيتها فى العمل وجدتها كما تركتها الإ قليلاً من الإختلاف, اختلافاً ظاهرياً فقط وليس جوهرياً . اختلاف فى لون رصيف هنا او لافتة متجر هناك.اختلاف فى شكل الوجوه السائرة فى الشوارع ربما ولكن عدا عن ذلك لم يكن هناك اى اختلاف جوهرى فى هذه المدينة الهادئة .
عندما اتيحت لى فرصة للعمل خارج الديار اضطرنى الروتين الى توثيق جميع الاوراق المطلوبة لأستخرج تاشيرة العمل ومن ضمنها شهادة المؤهل الدراسى, وكان على الذهاب الى مقر جامعة جنوب الوادى فى سوهاج لأعتماد الشهادة من أمين عام الجامعة .
أثناء قيامى بتحضير حاجاتى التى سوف أخذها فى هذه الرحلة عشية السفر كان يتملكنى شعور بالضيق, تماماً كالذى كان يصاحبنى عند السفر أيام الدراسة .الشعور المفعم بترك الاهل والأصدقاء والأُنس والأمان ولكن الشعور فى هذه المره كان أقل وطأه من سابقة خاصه مع اختلاف الغايات والأهداف فى هذه الفترة عنها فى الفترة السابقة, ومع اختلاف السن واختلاف المرحلة العمرية عن سابقتها .
المهم انى حزمت امتعتى واخترت بعناية اصدقائى الأوفياء لهذه الرحلة وهم كتبى الجميلة التى ستعيننى على ملء اوقات فراغى فى اثناء هذه الرحلة الطويلة المضنية .
تحركت من المنزل فى تمام العاشرة الإ عشر دقائق ليلاً وتمنيت أن تسعفنى الظروف وأصل الى محطة السكك الحديدية قبل فترة وجيزة من موعد تحرك القطار فى تمام الواحدة والربع بعد منتصف الليل. لم يخيب اتوبيس هيئة النقل العام رجائى, حيث وجدته بمجرد وصولى الى المحطة القريبة من منزلى وكان الكومسارى يقوم بعمل دعاية رهيبة للاتوبيس جاذبا انتباه السادة المنتظرين فى المحطة والسادة المتنظرين فى الشارع على طول الخط بأن الاتوبيس سوف يتوجه الى موقف العاشر مباشرة بدون اللف والدوران فى الاحياء المختلفة لمدينة العبور الباسلة .
استجمعت شئ من رشاقتى وقفزت إلى الاتوبيس الخالى إلا من الكومسارى والسائق ورجل او اثنين فقط كانوا قد ركبوا فى المحطة السابقة لمحطتى .اخرجت ثمن التذكرة ونقدت بها الكومسارى واتخذت مقعداً فى اخر الاتوبيس بحيث يكون قريباً من الموتور لكى انعم ببعض الدفء واتغاضى مقابلة عن الضوضاء الرهيبة التى يُحدثها... سار الاتوبيس متهاديا متبختراً يقف كى يركب شخص .. يقف كى ينزل آخر حتى وصلنا الى موقف العاشر.
قفزت من الاتوبيس بكل رشاقة شاعراً بفرحة شديدة بعد الانقباض النفسى الذى يلازمنى دائماً فى فترة ماقبل السفر، ولكن ما ان تبدأ رحلة السفر حتى أشعر بسعادة غامرة حيث أننى من عاشقى السفر والرحلات. سلكت طريقى بين مئات الاشخاص بين العائدين من عملهم بعد يوم عمل مضنٍ وبين الذاهبين الى اعمالهم ليلاً .. وعلى بعد بضع خطوات فقط من المكان الذى انزلنى فيه الاتوبيس وجدت صوتا خافتاً كسيراً ينادى على :
يا أستاذ.. يا أستاذ.. لو سمحت.. لو سمحت ..
فتسارع التفكير فى رأسى اسرع مما يتسارع الدم فى عروق الانسان الغاضب وتذكرت على الفور أن هذا صوت شابة فى العشرينات من عمرها تلبس دائما وابداً عباءة سوداء او جلباب اسود – اذا كان فى زى النساء مايسمى بالجلباب أو العباءه – بالطبع تريد العودة الى بيتها وقد فقدت كل النقود التى بحوزتها وتريد من حضرتى ان اقرضها اجرة الطريق الى بيتها .
- والنبى .. الله يباركك .. ربنا يوفقك .. يارب تنجح ..
هاتلى اى حاجه عايزة أروّح .. ربنا ينجحك
انه ليس صوتها الآن .. انه صوت فتاة اخرى تذكرته... كانت تقوم بنفس هذا العمل امام باب مجمع الكليات, كانت بصحبتها مجموعه من الفتيات من نفس سلالتها تقريباً ويقمن بالعمل نفسه. كن لطيفات جداً لدرجة ان احداهن فى ذات مره اصرّت ان اعطيها أى شئ من النقود تكفيها للذهاب الى بيتها كما تدّعى, وحيث اننا كنا نعرف هؤلاء الفتيات جيداً فلم نكن نمن عليهن حتى بنظرة استحسان .
فى هذه المرة ألحّت على هذه الفتاة أن اعطيها اى نقود دون جدوى، ولم ترى بُدّاً من التعلق بيدى وتشبك ذراعها بذرعى كالمخطوبين أو المتزوجين لمسافة تقارب المائتى متر. حتى مدخل مجمع الكليات حيث قام افراد الأمن والحرس الجامعى بزجرها ونهيها عن هذه الافعال .. آه لوتعرف خطيبتى او زوجتى ان هذه الفتاة قد شغل ذراعها هذا المكان منى فى يوم من الايام ماذا كانت فاعلة ؟.
على كل حال وجدت بعد ذك مينى باص يشق عباب الطريق ويتدلى من بابه شاب اسمر ينادى بأعلى صوتة:
_ رمسيس صلاح سالم .. رمسيس صلاح سالم .
فلم اتوانى على الاطلاق ودلفت الى المينى باص وكلى امل فى ان اجد مقعداً فارغا,ً وقد كان... خلال هذه الرحلة الطويلة استعـنت بأحد اصدقائى المفضلين ليهون علىّ طول هذه المسافة واستخرجت من حقيبتى العزيزه كتابا اقرأ فيه حتى نصل الى رمسيس امنين بأذن الله, استغرقت فى القراءه طول الطريق ولم أشعر بأى مكان كنا فيه ولا الوقت والرحلة كم استغرقت .كأنى دخلت فى سبات عميق أو انتقلت الى عالم اخر وهو عالم الكتاب الذى اقرأ فيه .
استفقت فجأه على هزات عنيفة جداً تقدر بتسع درجات على مقياس ريختر. أخد الناس يتسائلون عن سبب هذه الرجات والهزات القوية التى اصابت المينى باص ، فأتضح لنا اخيراً ان دواسة الدبرياج لم تعد تعمل . وهذا شئ مُستغرب جداً فى الواقع حيث ان الجميع ابدى اندهاشة واستغرابه من الامر وبدأ الناس يطرحون كثير من الاسئلة :
كيف صمدت دواسة الدبرياج كل هذة الفترة تحت هذه الظروف القاسية ؟.
فجميع اجزاء المينى باص توفيت اكلينيكيا منذ مايقرب ن ثلاثة عقود من الزمن .والسؤال الاغرب من ذلك والذى كان الكثير من الركاب يطرحونه:
هل يعمل هذا المينى باص بالطاقة البترولية ام يعمل بطاقة الرياح .
لم يخل الامر من الاستغراب بهذا الشأن كثيراً حيث اننا ركاب المينى باص اندهشنا لأمر آخر وهو كيف استطاع السائق الهمام تسيير المينى باص بعد هذا العطل .هذا بالفعل ماحدث فقد قام السائق بقيادة المينى باص من غمره الى رمسيس بدون دبرياج مع ماتعلمون جميعاً من زحمة هذه المنطقة المكتظة بالسيارات.
وصلنا الى رمسيس والحمد لله تزاحم الناس كعادتهم على الباب ليتمكنوا من النزول.
واذا كان عدم النظام والتزاحم على ابواب البوابات عند النزول هو سمه غالبه فى مجتمعنا عموماً فإنه وفى هذه الاثناء لابد ان يكون أمراً محتوماً لأن وبعد تعطل الدبرياج فى المينى باص فالسائق لا يستطيع إيقاف المينى باص كلية فلا بد أن يكون سائراً بهدوء دون توقف لأن فى حالة توقف المينى باص فلن يستطيع قيادتة مجدداً, برشاقتى المعهوده قفزت من السيارة محافظاً قدر الامكان على توازن حتى لا اصطدم بالمحلقين من أمام او القافزين خلفى.
كما هو و فى كل الاحوال و الاوقات وجدت ميدان رمسيس يعج بالحياة رغم أن الساعة كانت تقترب من منتصف الليل. مشيت وسط المارة منتشياً بهذا الجو الجميل المفعم بالحركة والاضواء والذى يزيده برد ديسمبر سحراً وجمالاً.
نتابع باقى الرحلة لاحقا ان شاء الله.

الأربعاء، 18 نوفمبر 2009

عقدة الشعراء المبدعين

ُيعتبر الشعر من أجمل الصور التى يمكن للــمرء أن يعبر بها عن خواطره وأحاسيسه, ولا يقتصر هذا الكلام على الشعراء المجيدين فقط, وخصوصاً إذا اخذنا فى الحسبان ما يجرى على السنتنا من كلام مسجوع أو زجل, فإننا نقترب بشده من هذا المعنى.
وترتبط كثيرا فلسفة الشعر بفلسفة الاعجاب فى نقطة قريبة جدا,ً إن لم يكن فى نفس النقطه تقريبا , بمعنى أن الشعراء منا مهما بلغت جودة شعرهم والمتذوقين للشعر أيضا لديهم هوايه غير معلنه وهى الاستمتاع بالشعر, ومنبع هذه الهوايه أنه وفى قرارة أنفسنا نحس بأن الشعر هو عدة أوصاف لمضمون واحد وأن الشاعر عندما عرك الحب قلبه ونتج عن هذا العراك هذه الأبيات الشعريه أو شطرات ومقطوعات الزجل أو السجع. فإن هناك منطقه مشتركه بين المُحب وبين الشاعر يحسها المحب فى حبه ولكن لا يستطيع التعبير عنا بامتياز كما عبر الشاعر.
فالاحساس مشترك بين كل من الشاعر والمُحب الأمر الذى يدعو المُحب –حتى لو كان شاعراً- أن يستعين ببعض أشعار غيره ليتذوق حبه الذى لا يشعر به أحد سواه, وفى نفس هذه المنطقة المشتركة تكمن العقده الرهيبه التى يواجهها المحب الشاعر المتذوق الجيد للشعر وهو الذى يرى فى نفسه قصور وتقصير كبير جدا فى موهبته الشعريه التى لا تسعفه دائما لكى يُحكِم شعره السيطره على احاسيسه, لأنه دائم النهم لكل بديع وهو لا يرغب أن تتوقف موهبته عند معنى من المعانى او شعور من المشاعر فيجب أن تعمل آلة الشعر فى عقله على انتاج شعر يحتوى هذا المد الرهيب والامواج العاتيه من المشاعر فى كل لحظه وفى كل موقف, وهو ناسياً متناسيا أنه فى اللحظة التى سيسيطر فيها اداراكه وعقله على هذا الحب الكبير سيفقد الحب بريقه وتألقه وجماله. لأن الحب بدنياه الرحبه يكتسب بريقه وجماله من آفاقه المتراميه التى تفوق إدراك أى مبدع وشعر اى شاعر, لأن الشعراء ومنذ العصور السحيقه ينظمون الشعر فى الحب والمديح الغزل وغيره ولم يعترض أحد على ذلك بحجة ان موارد الشعر آخذة فى النضوب وعلينا الاقتصاد فى نظم الشعر للضرورة فقط, وبالتالى فإن آفاق وحدود الحب أبعد من أن تُدرك سواء بشعرمن سبقونا أو بشعرنا أو بشعر اللاحقين لنا حتى تقوم الساعه.
بين كل هذه الاجواء ينظر المحب الى الشعراء الآخرين على انهم اصدقائه المخلصين الوفيين حتى لو كان منهم من عاش قبل ميلاده وميلاد آبائه وأجداده بقرون عده, وكيف لا وهم الذين ساعدوه على هذا الحب الكبير واعانوه عليه, فكيف كان سيتذوق الحب الجميل لحبيبته إذا لم يقل امرؤ القيس لفاطمه:
أغرّك منى أن حبك قاتلى وأنك مهما تأمرى القلب يفعلٍ
وكيف يكون لدلال الفتيات معنى إن لم يقل المثقب العبدى:
كغزلانٍ خذلن بذات ضالٍ وثقّبن الوصاوص للعيونِ
فللمبدعين من هؤلاء ايادٍ بيضاء على حبنا الكبير, فكيف للحب ان يكون حبا بدون الشعر؟, وكيف للشعر ان يكون له هذا المردود الكبير ان لم يكن نتيجة شعور جميل ولم يكن ممتزجا بمشاعرنا الصادقة الصافيه؟. فمشاعرنا تمتزج بمشاعر هؤلاء فى اوقات الذروه العاطفيه التى نلجأ خلالها لصديقينا المقربين واقصد دفتر المذكرات والقلم لتسطير اجمل الاناشيد وابدع ابيات الشعر-من وجهة نظرنا طبعا- ولا دور للنقاد الحقيقيين فى الحكم على جودة أو رداءة هذا الانتاج الرهيب الذى لو اطّلعوا الى بعضه فقط فلن يتنازلوا عن تنفيذ حكم الاعدام شنقا فى حق مؤلفيه بتهمة التآمر على هدم القواعد القليلة المتبقية من بناء هيبة اللغة العربية.
فعقولنا للحظه تتحد سويا لتنتج لَبنة من لَبنات البناء الكبير المسمى بالشعر إن جاز التعبير, وهو نتيجة عادله لمشاعرنا الكبيره التى تسيطر على الامور المصيريه والمفصلية فى حياتنا, لأن هذه المشاعر كالأحداث العظيمه لابد لها من التخليد, ولكل منا طريقته فى الحفاظ على احداث حياته المؤثرة فى تكوينه الفكرى من الضياع بطريقته الخاصه, بالشعر أو التثر او غير ذلك.
فقولى :
وجدتُ الشمس تشرق حين ترضى وتغرب حين تُمسِك عن رضاها
وراءه ألف سبب جميل وألف غرض نبيل والعديد من اللحظات السعيده والذكريات الجميله, ولم ينتج من الموهبه المجرده القادره على نظم الشعر, بل إن الموهبه لابد أن تتحد مع بعض الاحاسيس لينتج عن ذلك الشعر أو النثر أو غيره.
وما قلت فيها:
لها أول رســـمى وأول ألـــــوانى إنها سحرى وســــرى ووجـــدانى
ودمـــــــوعى الـــــــتى فى عينىّ والدفء الذى بــــــين أحضـــــانى
وطيورى الـــتى فى سمــــــاواتى وجذوعى وأوراقى وأغصــــــانى
إلا للتعبير عن لحظة من اللحظات التى مرت فى حياتى واحببت ان أجعل منها لحظة مختلفه عن باقى اللحظات العاديه التى تمر كثيرا فى حياتنا, ولا ينفعنا تذكرها كما لايضرنا نسيانها. أما اللحظات التى تتسرب منها السعادة الى نفوسنا فلابد أن يكون لها معاملة خاصه تليق بما لها من معانى وما تحمل من سرور.

وفى نفس السياق نرجوا من النقاد- الذين لابد للظروف أن تلقى بأعمالنا فى مرمى نقدهم يوما- أن يترفقوا بنا ولا يعنفوا اجتهادنا مهما كان رديئاً, لأنهم مشاعلنا التى تقودنا الى الطريق القويم. وليتذكروا دائما اننا نعرف حروف الهجاء وهم يعرفون الكلمات ولا غنى لنا عن علمهم ونقدهم البناء لنتمكن من صياغة الحروف الى كلمات معبّره يفيد منها كل قارئ أو مستمع.