-1-
كانت المرة الاولى التى اعود فيها الى هذه المدينة بعد مايقرب من ست سنوات .
لم أحب هذه التجربة ابداً، فقد لمستها وشعرت بها غير مرة من قبل ومن ضمنها الذهاب الى هذه المدينة ايضاً، أحسست بالضيق الشديد والضعف الرهيب.. شعرت ان المكان أصبح ثوبا ضيقا يخنقنى حتى لا اكاد استطيع من ضيقه مجرد التنفس........ لايهم مطلقاً, فما يهم الآن كيف يواجه المرء هذا الشعور الرهيب عند زيارة مكان, كان بيتاً وملعباً ومدرسة ومسجداً لمدة أربع سنوات دراسية. اضطرتنى الظروف ان اسافر الى سوهاج مرة اخرى بعد سنوات من تركى لها . وهى المدينة التى تقع فى وسط صعيد مصر بهدوئها وسكونها وطيبة اهلها .المدينة التى شهدتُ فيها اربع سنوات دراسية مليئة بكل انواع الفرح والاثارة والعذاب والغربة.المدينة التى حفرت فى ذاكرتى وفى جسدى خطوطاً عريضة لشخصيتى فى مرحلة سنية يتكون فيها الطموح والأمل والتفاؤل والثقة بالمستقبل الذى ينتظرنا بعد مرحلة التخرج من التعليم الجامعى.
بعد العودة الى هذه المدينة وبعد السنوات الست التى امضيتها فى العمل وجدتها كما تركتها الإ قليلاً من الإختلاف, اختلافاً ظاهرياً فقط وليس جوهرياً . اختلاف فى لون رصيف هنا او لافتة متجر هناك.اختلاف فى شكل الوجوه السائرة فى الشوارع ربما ولكن عدا عن ذلك لم يكن هناك اى اختلاف جوهرى فى هذه المدينة الهادئة .
عندما اتيحت لى فرصة للعمل خارج الديار اضطرنى الروتين الى توثيق جميع الاوراق المطلوبة لأستخرج تاشيرة العمل ومن ضمنها شهادة المؤهل الدراسى, وكان على الذهاب الى مقر جامعة جنوب الوادى فى سوهاج لأعتماد الشهادة من أمين عام الجامعة .
أثناء قيامى بتحضير حاجاتى التى سوف أخذها فى هذه الرحلة عشية السفر كان يتملكنى شعور بالضيق, تماماً كالذى كان يصاحبنى عند السفر أيام الدراسة .الشعور المفعم بترك الاهل والأصدقاء والأُنس والأمان ولكن الشعور فى هذه المره كان أقل وطأه من سابقة خاصه مع اختلاف الغايات والأهداف فى هذه الفترة عنها فى الفترة السابقة, ومع اختلاف السن واختلاف المرحلة العمرية عن سابقتها .
المهم انى حزمت امتعتى واخترت بعناية اصدقائى الأوفياء لهذه الرحلة وهم كتبى الجميلة التى ستعيننى على ملء اوقات فراغى فى اثناء هذه الرحلة الطويلة المضنية .
تحركت من المنزل فى تمام العاشرة الإ عشر دقائق ليلاً وتمنيت أن تسعفنى الظروف وأصل الى محطة السكك الحديدية قبل فترة وجيزة من موعد تحرك القطار فى تمام الواحدة والربع بعد منتصف الليل. لم يخيب اتوبيس هيئة النقل العام رجائى, حيث وجدته بمجرد وصولى الى المحطة القريبة من منزلى وكان الكومسارى يقوم بعمل دعاية رهيبة للاتوبيس جاذبا انتباه السادة المنتظرين فى المحطة والسادة المتنظرين فى الشارع على طول الخط بأن الاتوبيس سوف يتوجه الى موقف العاشر مباشرة بدون اللف والدوران فى الاحياء المختلفة لمدينة العبور الباسلة .
استجمعت شئ من رشاقتى وقفزت إلى الاتوبيس الخالى إلا من الكومسارى والسائق ورجل او اثنين فقط كانوا قد ركبوا فى المحطة السابقة لمحطتى .اخرجت ثمن التذكرة ونقدت بها الكومسارى واتخذت مقعداً فى اخر الاتوبيس بحيث يكون قريباً من الموتور لكى انعم ببعض الدفء واتغاضى مقابلة عن الضوضاء الرهيبة التى يُحدثها... سار الاتوبيس متهاديا متبختراً يقف كى يركب شخص .. يقف كى ينزل آخر حتى وصلنا الى موقف العاشر.
قفزت من الاتوبيس بكل رشاقة شاعراً بفرحة شديدة بعد الانقباض النفسى الذى يلازمنى دائماً فى فترة ماقبل السفر، ولكن ما ان تبدأ رحلة السفر حتى أشعر بسعادة غامرة حيث أننى من عاشقى السفر والرحلات. سلكت طريقى بين مئات الاشخاص بين العائدين من عملهم بعد يوم عمل مضنٍ وبين الذاهبين الى اعمالهم ليلاً .. وعلى بعد بضع خطوات فقط من المكان الذى انزلنى فيه الاتوبيس وجدت صوتا خافتاً كسيراً ينادى على :
يا أستاذ.. يا أستاذ.. لو سمحت.. لو سمحت ..
فتسارع التفكير فى رأسى اسرع مما يتسارع الدم فى عروق الانسان الغاضب وتذكرت على الفور أن هذا صوت شابة فى العشرينات من عمرها تلبس دائما وابداً عباءة سوداء او جلباب اسود – اذا كان فى زى النساء مايسمى بالجلباب أو العباءه – بالطبع تريد العودة الى بيتها وقد فقدت كل النقود التى بحوزتها وتريد من حضرتى ان اقرضها اجرة الطريق الى بيتها .
- والنبى .. الله يباركك .. ربنا يوفقك .. يارب تنجح ..
هاتلى اى حاجه عايزة أروّح .. ربنا ينجحك
انه ليس صوتها الآن .. انه صوت فتاة اخرى تذكرته... كانت تقوم بنفس هذا العمل امام باب مجمع الكليات, كانت بصحبتها مجموعه من الفتيات من نفس سلالتها تقريباً ويقمن بالعمل نفسه. كن لطيفات جداً لدرجة ان احداهن فى ذات مره اصرّت ان اعطيها أى شئ من النقود تكفيها للذهاب الى بيتها كما تدّعى, وحيث اننا كنا نعرف هؤلاء الفتيات جيداً فلم نكن نمن عليهن حتى بنظرة استحسان .
فى هذه المرة ألحّت على هذه الفتاة أن اعطيها اى نقود دون جدوى، ولم ترى بُدّاً من التعلق بيدى وتشبك ذراعها بذرعى كالمخطوبين أو المتزوجين لمسافة تقارب المائتى متر. حتى مدخل مجمع الكليات حيث قام افراد الأمن والحرس الجامعى بزجرها ونهيها عن هذه الافعال .. آه لوتعرف خطيبتى او زوجتى ان هذه الفتاة قد شغل ذراعها هذا المكان منى فى يوم من الايام ماذا كانت فاعلة ؟.
على كل حال وجدت بعد ذك مينى باص يشق عباب الطريق ويتدلى من بابه شاب اسمر ينادى بأعلى صوتة:
_ رمسيس صلاح سالم .. رمسيس صلاح سالم .
فلم اتوانى على الاطلاق ودلفت الى المينى باص وكلى امل فى ان اجد مقعداً فارغا,ً وقد كان... خلال هذه الرحلة الطويلة استعـنت بأحد اصدقائى المفضلين ليهون علىّ طول هذه المسافة واستخرجت من حقيبتى العزيزه كتابا اقرأ فيه حتى نصل الى رمسيس امنين بأذن الله, استغرقت فى القراءه طول الطريق ولم أشعر بأى مكان كنا فيه ولا الوقت والرحلة كم استغرقت .كأنى دخلت فى سبات عميق أو انتقلت الى عالم اخر وهو عالم الكتاب الذى اقرأ فيه .
استفقت فجأه على هزات عنيفة جداً تقدر بتسع درجات على مقياس ريختر. أخد الناس يتسائلون عن سبب هذه الرجات والهزات القوية التى اصابت المينى باص ، فأتضح لنا اخيراً ان دواسة الدبرياج لم تعد تعمل . وهذا شئ مُستغرب جداً فى الواقع حيث ان الجميع ابدى اندهاشة واستغرابه من الامر وبدأ الناس يطرحون كثير من الاسئلة :
كيف صمدت دواسة الدبرياج كل هذة الفترة تحت هذه الظروف القاسية ؟.
فجميع اجزاء المينى باص توفيت اكلينيكيا منذ مايقرب ن ثلاثة عقود من الزمن .والسؤال الاغرب من ذلك والذى كان الكثير من الركاب يطرحونه:
هل يعمل هذا المينى باص بالطاقة البترولية ام يعمل بطاقة الرياح .
لم يخل الامر من الاستغراب بهذا الشأن كثيراً حيث اننا ركاب المينى باص اندهشنا لأمر آخر وهو كيف استطاع السائق الهمام تسيير المينى باص بعد هذا العطل .هذا بالفعل ماحدث فقد قام السائق بقيادة المينى باص من غمره الى رمسيس بدون دبرياج مع ماتعلمون جميعاً من زحمة هذه المنطقة المكتظة بالسيارات.
وصلنا الى رمسيس والحمد لله تزاحم الناس كعادتهم على الباب ليتمكنوا من النزول.
واذا كان عدم النظام والتزاحم على ابواب البوابات عند النزول هو سمه غالبه فى مجتمعنا عموماً فإنه وفى هذه الاثناء لابد ان يكون أمراً محتوماً لأن وبعد تعطل الدبرياج فى المينى باص فالسائق لا يستطيع إيقاف المينى باص كلية فلا بد أن يكون سائراً بهدوء دون توقف لأن فى حالة توقف المينى باص فلن يستطيع قيادتة مجدداً, برشاقتى المعهوده قفزت من السيارة محافظاً قدر الامكان على توازن حتى لا اصطدم بالمحلقين من أمام او القافزين خلفى.
كما هو و فى كل الاحوال و الاوقات وجدت ميدان رمسيس يعج بالحياة رغم أن الساعة كانت تقترب من منتصف الليل. مشيت وسط المارة منتشياً بهذا الجو الجميل المفعم بالحركة والاضواء والذى يزيده برد ديسمبر سحراً وجمالاً.
نتابع باقى الرحلة لاحقا ان شاء الله.

