ُيعتبر الشعر من أجمل الصور التى يمكن للــمرء أن يعبر بها عن خواطره وأحاسيسه, ولا يقتصر هذا الكلام على الشعراء المجيدين فقط, وخصوصاً إذا اخذنا فى الحسبان ما يجرى على السنتنا من كلام مسجوع أو زجل, فإننا نقترب بشده من هذا المعنى.
وترتبط كثيرا فلسفة الشعر بفلسفة الاعجاب فى نقطة قريبة جدا,ً إن لم يكن فى نفس النقطه تقريبا , بمعنى أن الشعراء منا مهما بلغت جودة شعرهم والمتذوقين للشعر أيضا لديهم هوايه غير معلنه وهى الاستمتاع بالشعر, ومنبع هذه الهوايه أنه وفى قرارة أنفسنا نحس بأن الشعر هو عدة أوصاف لمضمون واحد وأن الشاعر عندما عرك الحب قلبه ونتج عن هذا العراك هذه الأبيات الشعريه أو شطرات ومقطوعات الزجل أو السجع. فإن هناك منطقه مشتركه بين المُحب وبين الشاعر يحسها المحب فى حبه ولكن لا يستطيع التعبير عنا بامتياز كما عبر الشاعر.
فالاحساس مشترك بين كل من الشاعر والمُحب الأمر الذى يدعو المُحب –حتى لو كان شاعراً- أن يستعين ببعض أشعار غيره ليتذوق حبه الذى لا يشعر به أحد سواه, وفى نفس هذه المنطقة المشتركة تكمن العقده الرهيبه التى يواجهها المحب الشاعر المتذوق الجيد للشعر وهو الذى يرى فى نفسه قصور وتقصير كبير جدا فى موهبته الشعريه التى لا تسعفه دائما لكى يُحكِم شعره السيطره على احاسيسه, لأنه دائم النهم لكل بديع وهو لا يرغب أن تتوقف موهبته عند معنى من المعانى او شعور من المشاعر فيجب أن تعمل آلة الشعر فى عقله على انتاج شعر يحتوى هذا المد الرهيب والامواج العاتيه من المشاعر فى كل لحظه وفى كل موقف, وهو ناسياً متناسيا أنه فى اللحظة التى سيسيطر فيها اداراكه وعقله على هذا الحب الكبير سيفقد الحب بريقه وتألقه وجماله. لأن الحب بدنياه الرحبه يكتسب بريقه وجماله من آفاقه المتراميه التى تفوق إدراك أى مبدع وشعر اى شاعر, لأن الشعراء ومنذ العصور السحيقه ينظمون الشعر فى الحب والمديح الغزل وغيره ولم يعترض أحد على ذلك بحجة ان موارد الشعر آخذة فى النضوب وعلينا الاقتصاد فى نظم الشعر للضرورة فقط, وبالتالى فإن آفاق وحدود الحب أبعد من أن تُدرك سواء بشعرمن سبقونا أو بشعرنا أو بشعر اللاحقين لنا حتى تقوم الساعه.
بين كل هذه الاجواء ينظر المحب الى الشعراء الآخرين على انهم اصدقائه المخلصين الوفيين حتى لو كان منهم من عاش قبل ميلاده وميلاد آبائه وأجداده بقرون عده, وكيف لا وهم الذين ساعدوه على هذا الحب الكبير واعانوه عليه, فكيف كان سيتذوق الحب الجميل لحبيبته إذا لم يقل امرؤ القيس لفاطمه:
أغرّك منى أن حبك قاتلى وأنك مهما تأمرى القلب يفعلٍ
وكيف يكون لدلال الفتيات معنى إن لم يقل المثقب العبدى:
كغزلانٍ خذلن بذات ضالٍ وثقّبن الوصاوص للعيونِ
فللمبدعين من هؤلاء ايادٍ بيضاء على حبنا الكبير, فكيف للحب ان يكون حبا بدون الشعر؟, وكيف للشعر ان يكون له هذا المردود الكبير ان لم يكن نتيجة شعور جميل ولم يكن ممتزجا بمشاعرنا الصادقة الصافيه؟. فمشاعرنا تمتزج بمشاعر هؤلاء فى اوقات الذروه العاطفيه التى نلجأ خلالها لصديقينا المقربين واقصد دفتر المذكرات والقلم لتسطير اجمل الاناشيد وابدع ابيات الشعر-من وجهة نظرنا طبعا- ولا دور للنقاد الحقيقيين فى الحكم على جودة أو رداءة هذا الانتاج الرهيب الذى لو اطّلعوا الى بعضه فقط فلن يتنازلوا عن تنفيذ حكم الاعدام شنقا فى حق مؤلفيه بتهمة التآمر على هدم القواعد القليلة المتبقية من بناء هيبة اللغة العربية.
فعقولنا للحظه تتحد سويا لتنتج لَبنة من لَبنات البناء الكبير المسمى بالشعر إن جاز التعبير, وهو نتيجة عادله لمشاعرنا الكبيره التى تسيطر على الامور المصيريه والمفصلية فى حياتنا, لأن هذه المشاعر كالأحداث العظيمه لابد لها من التخليد, ولكل منا طريقته فى الحفاظ على احداث حياته المؤثرة فى تكوينه الفكرى من الضياع بطريقته الخاصه, بالشعر أو التثر او غير ذلك.
فقولى :
وجدتُ الشمس تشرق حين ترضى وتغرب حين تُمسِك عن رضاها
وراءه ألف سبب جميل وألف غرض نبيل والعديد من اللحظات السعيده والذكريات الجميله, ولم ينتج من الموهبه المجرده القادره على نظم الشعر, بل إن الموهبه لابد أن تتحد مع بعض الاحاسيس لينتج عن ذلك الشعر أو النثر أو غيره.
وما قلت فيها:
لها أول رســـمى وأول ألـــــوانى إنها سحرى وســــرى ووجـــدانى
ودمـــــــوعى الـــــــتى فى عينىّ والدفء الذى بــــــين أحضـــــانى
وطيورى الـــتى فى سمــــــاواتى وجذوعى وأوراقى وأغصــــــانى
إلا للتعبير عن لحظة من اللحظات التى مرت فى حياتى واحببت ان أجعل منها لحظة مختلفه عن باقى اللحظات العاديه التى تمر كثيرا فى حياتنا, ولا ينفعنا تذكرها كما لايضرنا نسيانها. أما اللحظات التى تتسرب منها السعادة الى نفوسنا فلابد أن يكون لها معاملة خاصه تليق بما لها من معانى وما تحمل من سرور.
وفى نفس السياق نرجوا من النقاد- الذين لابد للظروف أن تلقى بأعمالنا فى مرمى نقدهم يوما- أن يترفقوا بنا ولا يعنفوا اجتهادنا مهما كان رديئاً, لأنهم مشاعلنا التى تقودنا الى الطريق القويم. وليتذكروا دائما اننا نعرف حروف الهجاء وهم يعرفون الكلمات ولا غنى لنا عن علمهم ونقدهم البناء لنتمكن من صياغة الحروف الى كلمات معبّره يفيد منها كل قارئ أو مستمع.
الأربعاء، 18 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق