الاثنين، 15 مارس 2010

المسئولية

هل يعلم أحدكم معنى كلمة مسئولية ؟
معنى المسئولية هو الإضطلاع بمهمة الحفاظ على شئ له قيمته الخاصه لفترة من الزمن، وسواء كانت هذه الفترة طويلة أو قصيرة متجدده أو غير متجدده، فإن المرء مطالب بعمل كل ما يلزم وتحمل الأعباء المختلفه للحفاظ على هذا الشئ.
ويتجلى ذلك واضحا فى المسئولية الملقاه على عاتق الأبوين تجاه أبنائهما من حيث مهمة تربيتهم وتعليمهم وتنشئتهم بشكل سليم ليفيدوا أنفسهم ويفيدوا مجتمعهم، وأيضا لتقر بهم أعين أبويهم من خلال نجاحهم فى حياتهم العلمية والعملية.
وتتفاوت قيمة المسئولية وخطورتها من مهمة لأخرى، ومن مرحلة لأخرى من مراحل هذا الشئ، فمسئولية تربية الأبناء من الصغر حتى الكبر ليست كمسئولية رعاية نبات فترة حياته لا تتجاوز بضعة أسابيع أو شهور، أو رعاية قطة صغيره ليس المطلوب لسعادتها سوى الاطمئنان على شبعها ونظافتها.
ولكن هل جرب احدنا مسئولية رعاية الحب ................؟
ليس من السهل لكم أن تتخيلوا صعوبة هذه المسئولية، لأن ظاهرها مختلف تماما عن باطنها، وجزئياتها متشعبة ومعقده أكثر مما هو ظاهر من كلياتها، فمن منا لم يحب خلال فترات عمره المختلفه، بداية من حب الأم فى الصغر وحب أول مدرّسة علمتنا مبادئ القراءة والكتابة والحساب، مرورا بحب أول زميلة تجلس بجوارنا على مقاعد الدراسة أو على مقاعد باص المدرسه. فكل نوع من هذا الحب يشكل مسئولية من نوع ما يجب علينا العمل على إبقائه حيا يانعا والحفاظ عليه لفترة معينه.
وتنمو معناهذه المسئولية حتى نصل إلى مسئولية الحفاظ على الحب الحقيقى الذى يمثل فى حياتنا الأثر الأكبر، والذى نراه نحن بنظرتنا له على أنه أقوى تأثيرا على حياتنا مما علمه لنا أباؤنا وأمهاتنا ومعلمينا طوال سنوات عمرنا الماضيه. وتقيدنا مهمة الحفاظ على هذا الحب بقيود نراها أقوى من القيود التى تواجهنا عند البحث عن لقمة العيش، لأن إجابة أى إنسان منا على السؤال: على ايهما تصبر أكثر، قلة الطعام أم قلة الحب ستتجه أصابعنا بالشارة فورا بأننا من الممكن أن نصبر على نقص الطعام والشراب ومن الصعب أن نصبر على قصور القلب عن ضخ الحب فى العروق.
وبالنسبة لى فمن خلال خبرتى المتواضعة فى هذا الموضوع والتى تلقيتها عن تجربة حقيقية، فإننى اعتقد ان حجم المسئولية يعتمد على عنصرين اساسيين: أولهما القيمة التى يمثلها الطرف الآخر فى هذه العلاقه بالنسبة لى وثانيهما شبح الخوف من التقصير فى حق الطرف الآخر الذى دائما يطاردنى دائما وأبدا فى كل شئ. والعنصر الثانى مبنى وبشكل كبير جدا على العنصر الأول لأن الخوف من التقصير يمشى موازيا وعلى نفس الخط مع القيمة التى يمثلها الطرف الثانى للطرف الأول.
فالشعور المتجدد فى كل لحظه بقيمة هذه العلاقه والإحساس الجميل الصادق بأثر هذه العلاقه الجميلة على النفس يزيد من قيمة المسئولية الملقاة على عاتقنا والتى تتمثل فى الحفاظ على هذه السعادة التى أضافتها هذه العلاقة على مكامن نفوسنا وعلى تفاصيل حياتنا وبالتبعية الحفاظ الدائم على الطرف صاحب اليد الطولى فى هذا الأحاسيس الجميلة المتجدده. حتى ليخيل إلىّ فى كثير من الأوقات بأن هذه العلاقة أقرب جدا لعلاقة زائر الى حديقة عامه، وهذه الحديقة يوجد بها زهرة ذات جمال أخاذ ورائحة جميلة ينزع أريجها ألباب زائريها فى كل الأوقات، ودائما ما اعتبر نفسى هذه الزائر العنيف الذى يطمع فى اقتطاف هذه الزهره التى اضافت للحظات وجوده فى هذه الحديقه العطر الهادئ الناعم الجميل، والمنظر الصافى المريح الذى يتذوقه عند قربه منها ويتذكره عند خروجه من الحديقه.
والمسئولية فى هذه الحاله تتمثل فى الحفاظ على هذه الورده الجميله. فهل إذا اقتطفها هذه العاشق سيعتنى بها وسيرعاها ويحافظ عليها جميلة المنظر عاطرة الجوهر دائما. أم سيقصّر فى رعايتها حتى تذبل ويتلاشى عبيرها.
فالارتباط بهذه الورده يمكن أن يكون قمة النعمة إذا ما نقلها عاشقها الى أصيص جديد وبيئة جديده يوجد بها كل مقومات حياة وتفوق هذه الورده، أو يكون كارثة انسانية رهيبه اذا اقتطفها ووضعها فى مزهرية أو وضعها فى جيبه متزينا بها.
وهذا هو خوفى على وردتى الجميله، ففى كل الاوقات يطارنى هذا الهاجس. واسأل نفسى دائما هذا السؤال:
هل سأضع هذه الورده فى الأصيص المناسب ؟.

السبت، 13 مارس 2010

رحلة الى الجنوب

-2-
ولجت داخلاً الى المحطة قاصداً اقرب مشرف او كمسارى من المتناثرين على ابواب الارصفة الخاص بالقطارات لكى اسألهم على اى رصيف ينبغى على انتظار القطار, فأفادنى بأن القطار الميمون سينطلق من رصيف رقم 8, جلست مع صديقى الكتاب عن احد المقاعد حتى موعد قيام القطار حيث لايزال امامى مايقرب من الساعة والربع حتى موعد السفر.
اثناء جلوسى كانت بجوارى سيدة وابنتها بأنتظار القطار اخر سيقوم قبل موعد قطارى ولكن من نفس الرصيف, كانت لدى هذه السيدة وابنتها مشكلة عويصة جعلت منهما فى حالة غضب وخوف رهيب جدا جدا.
كان قطارهما على وشك القيام وهما بانتظار شخص اخر سيسافر معهما يدعى محمد وطبعاً تمكنت بما املك من ذكاء وفراسة وفطنة ان اعرف ان محمد هذا هو ابن هذه السيدة واخو الفتاة, وقد فهمت ايضاً من عويل وولولة السيدة والفتاة ان محمد ذهب الى احد المقاهى بجوار المحطة لاحتساء حجرين من المعسل ريثما يحين موعد القطار .
حضر القطار الى رصيف القيام قبل موعدة بحوالى عشرون دقيقة وهنا اصاب السيدة وابنتها الجنون فقد توقعت ان القطار سيقوم بالرحلة قبل قدوم محمد من القهوة, بدأت مراسم العويل والصياح والسب والقذف المحتوى على اقذع الالفاظ عن محمد واهمالة وتسيبة والساعة التى بدأ فيها التدخين .وطبقاً لمبادئ الشهامة التى اتحلى بها عرضت مثل الكثير من الاشخاص الواقفين مساعدة السيدتين .
شرحت لى السيدة هذا الموقف ففهمت بكل هدوء مشكلتهما العويصة وسالتها سؤال بديهى فى مثل هذه المواقف :
هل يملك محمد ابنك تليفون محمول؟
فأجابت: نعم .
بالطبع لايخفى على كل ذى عينين ان السيدة تملتك تليفوناً محمولاً وابنتها ايضاً تملتك واحداً. فاقترحت عليهما اقتراحاً سديداً كان يدل على الفطنة والكياسة بأن يحاولا الاتصال به على التليفون المحمول, فكانت الاجابة الفورية بأن كليهما لايملكان رصيداً كافياً لاجراء هذه المكالمة . فتطوعت بكل فخر واعتزاز بان اتصل لهما بالاخ محمد من هاتفى الخاص, وذلك لأننى من علية القوم ومن الاشخاص المحظوظين الذين لا ترد عليهم موظفة خدمة العملاء فى شركة فودافون بصوتها الجميل المنفر..
عفواً لقد نفذ رصيدكم ..
حيث اننى امتلك خط تليفون بنظام الفاتورة, سألت الابنة عن رقم تليفون محمد لكى اتصل لهما به فأجابت بكل براءه:
انا مش حافظاه .. خد حضرتك التليفون وشوف الرقم بتاعة .
تناولت الهاتف منها كى ابحث عن اسم محمد فسألتها عن الاسم الثنائى مثلاً لكى اتمكن من البحث عن اسم اخيها فى ايقونة الاسماء وعلى الهاتف فأجابت :
محمد محروس.
فشرعت ابحث عن هذا الاسم على الهاتف بين من اسمهم محمد ومدونة اسماؤهم على الهاتف فلم اجد اثراً لمحمد محروس هذا نهائيا..!
مع عوامل الضغط المحيط بى اثناء البحث من الوقت القصير الذى يفصلنا عن موعد قيام القطار بالاضافة للحرج البادى على من نظرات الواقفين من حولى والتى تنم عن اتهامى بأنى ذئب بشرى استغل الظروف السيئة للسيدة وابنتها لأقامة علاقة مشبوهه مع ابنتها وهكذا. المهم انى بحثت كثيراً جدا عن هذا المحمد محروس على الهاتف فلم اجده وكنت وقتها قد بحثت لأكثر من ثلاث مرات حتى أُصبت بالرعب والهلع, لكن ماأصابنى بالفزع ليس عدم مقدرتى على العثور على اسم محمد ابن السيدة واخو ابنتها .وانما لاننى وجدت عل الهاتف مايزيد عن خمسة عشر اسم محمد وهى مرمزة وليست مسماه, فمنها من هو محمد فقط بدون اسم ثان ومنها محمد متبوع بنقطة ومنها محمد متبوع برقم واحد ورقم اثنين وفاصلة ونقطتين, ومحمد متبوع بحرف الالف ومحمد متبوع بحرف الميم وهلم جره. تصلبت يداى على الهاتف دون ارادتهما تقريباً لأن لو ان ليداى أرادة فى هذه اللحظة فكان اول شئ من الممكن القيام به هو صفع السيدة وابنتها وتهشيم الهاتف على رأسيهما, سألتها وانا احاول ان اتمالك اعصابى من هذا الجهل المطبق والغباء المستحكم :
ما إسم اخيك ؟
فقالك بكل بلاهه: محمد محروس
_ انا لااقصد هذا ولكن اقصد مااسمه على هاتفك .
_ لا ادرى ففى الغالب أنا لم اتصل به الا مره واحده من على هاتفى ، دائما هو من يتصل بى وأنا ارد عليه .
_ وكيف تعرفين أن المتصل هو محمد اخوك ؟
_ غالباً اعرفه من صوتة ولكن عندما لا اعرفه من صوتة واسأله من انت يقول لى :أنا اخوكى ياحماره، وهكذا اتعرف عليه .
عندها تزايد لدى شعور بالندم للاسهام فى مساعدة هاتين البائستين, وتملكنى شعور بالازدراء نحو هذه الفتاة اللعوب التى لديها قائمة طويلة من اللذين اسمهم محمد على هاتفها لاتميز اى واحد منهم حتى اخوها إلا من اصواتهم أو مستواهم الاخلاقى وألادبى. وهكذا وقفت مكتوف الايدى لا استطيع فعل شئ لهاتين البائستين الا لإانتظار معمها والدعاء من كل قلبى أن يتأخر محمد, الذى معه كل تذاكر الرحلة عن موعد القطار لكى ينالوا قسطا من الغيظ الذى اشعرونى به فى هذه اللحظات, ولكن وبكل الاسف لم أنل هذه الامنية حيث وبعد لحظات قليلة وجدت البنت تقفز من الفرحة وتصرخ وتقول لشخص قادم من أول الرصيف:
يخرب بيت أمك... إحنا دمنا نشف واحنا بنحــاول نكلمك على التليفون وانت مبتردش ..!
حفاظا على رونقى امام نفسى آثرت الانسحاب قبل ان اصاب بنوبة قلبية من هذا الجهل الرهيب وبدأت أسال نفسى متى اتصلت به ومتى لم يرد هو على التليفون..؟
ابتعدت عن هذه العائلة الرهبية بسرعة حتى لا أصاب بنوبة غباء اذا اختلطت انفاسى بأنفاسهم .
بعد هنيه اصطلق القطار صفارة طويلة معلناً عن بدء الرحلة الميمونة وسط تدافع الناس المُحمّلين بالحقائب على ابوابة قبل ان يفوتهم القطار.
عاد الهدوء للرصيف الذى نقف عليه بأنتظار قطارنا والذى من المتوقع ان يصل فى أى لحظة كلى يبدأ رحلتة هو الأخر بعد أقل من نصف ساعة تقريباً بعدها شعرت ببعض العطش بأبتعت قارورة من المياه الغازيه من احد الباعة على الرصيف وجلست على كرسى على الرصيف ارتشف منها حتى موعد وصول القطار، ..... لم يدم الانتظار طويلاً فقد وصل القطار بعدها بلحظات وبدأ الناس يركبون وأنا معهم .
جلست على كرسى واخرجت كتابى العزيز من الحقيبة اتصفحه حتى بدأت الرحلة وبعدها بقليل ومن جراء اليوم الطويل الشاق بدأ جفناى يتقابلان ويداعبهما الوسن, ارحت ظهر الكرسى وبدأت فى مرحلة نوم عميق استمر لحوالى خمسة ساعات أو أكثر.
استيقظت على منظر بديع وقد أعلنت الشمس عن ميلاد يوم جديد. كان المنظر ساحراً حيث يشق القطار طريقة وسط السهول الخضراء الجميلة التى تكسبها شمس الصباح مع ذرات الندى العالقة بالجو منظراً بديعاً وكأن الندى غسل الزروع والاشجار والنخل فأصبحت تكتسى بلون اخضر سندسى جميل غاية فى الروعة. منظر مفعم بالحياة, وقد خرجت العصافير والحمائم تغرد وتطير وتمرح بين شجرات النبق والنخلات التى تعانق السماء وبطولها وشموخها.وتغنى لمروج القمح الذى تتلألئ علية قطرات الندى كاللؤلؤ المنثور.وسحر المزارعين وهم يذهبون الى حقولهم وقد امتطوا الحمير وتبعتهم المواشى تمشى فى مرح ونشاط..
لايزال هذا المنظر محبباً الى قلبى منذ ايام الدراسة وحتى الان.
استمتعت بهذا الجمال الأخاذ حتى اخرجنى من هذه المتعة جرس الهاتف حيث كان اخى الصغير يتصل بى ليطمئن ويطمئن امى الحبيبة علىّ ويوصينى, إن قابلتنى اى متاعب ان اذهب الى شئون كلة التربية لأسال عن الاستاذ احمد عامر واقول له انى اخو فيصل وهو سيتولى مايتبقى .
شكرتة وطمأنته على اننى على وصول تقريباً الى سوهاج حيث اعلنت الساعة عن تمام السابعة والنصف تقريباً وهو موعد حبيب عندى حيث انه فى هذا الموعد من كل يوم تشرق شمس قلبى وتهُبّ عصفورة احلامى من نومها تفتح عينها لتملأ الدنيا بشعاع الأمل وتنير للناس مشاعل الحب. اتصلت بى فى الموعد المحدد تماما ليداعب أذنى صوتها الرقيق الذى يمتلك نفاذاً وعذوبه مثل خرير المياه. واثلجت كلماتها العذبة قلبى ومنتحتنى جرعة اضافية من الامل والحنان والسعادة, طمأنتها عن رحلتى وسألتها كيف كان ليلتها وكيف كان نومها وتمنيت لها يوماً سعيداً وتمنت لى يوماً موفقاً .
ما أن دخل القطار الى سوهاج حتى بدأت الذكريات تنهال على عقلى ومخيلتى ، ذكريات واحاسيس بين الحب والشجن، بين السعادة والحرية، بين الطموح والامل .
نتابع بقية الرحلة لاحقا ان شاء الله.